القاضي عبد الجبار الهمذاني

26

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في ان اللطف قد يصح في النوافل كصحته في الواجبات ، وما يتصل بذلك اعلم أن الّذي بيناه من معنى اللطف وحقيقته يبين صحة دخوله في الأمرين ؛ وذلك لأنه كما لا يمتنع أن يعلم من حال المكلف ، عند أمر حادث ، أن يختار الواجب من رد الوديعة وقضاء الدين ، ولولاه كان لا يختارهما ، فكذلك لا يمتنع أن يعلم من حاله عند بعض الحوادث « 1 » أنه يختار الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم بالإنعام على وجه لولاه كان لا يختار . فلا فرق بين من منع من دخول ذلك في النوافل ، أو منع من صحته في الواجبات . ولا فرق بين من قال ذلك وبين من قال : إن سائر الدواعي أو بعضها « 2 » إنما يصح في الواجب دون النافلة . فإذا بطل ذلك بما نجده من أحوالنا ، / ( ظهر ) لك ( القول ) فيما ذكرناه . ولا فرق أيضا بين من قال ذلك وبين من يقول : إن اللطف إنما يقع في ( بعض ) الواجبات دون بعض . وهذه مما يبين أن الحال في ذلك موقوف على الدليل . فما ثبت بالدليل ذلك فيه قطع به ، وما عداه يتوقف فيه . وإنما يكشف عن ذلك في التفصيل السمع ، لأن العقل إنما يدل على الجملة فيه دون التفصيل . وسنبين من بعد أن هذا اللطف في باب الوجوب على اللّه تعالى بمنزلة الألطاف في الواجبات ، ونبين الفرق بين ما يكون من فعله تعالى ومفارقته لما يكون من فعلنا في ذلك .

--> ( 1 ) هذه الحوادث هي الألطاف . ( 2 ) في الأصل : « بعضه » .